رياضة كرة النقر.. وحرب الشوارع وفتنة الجهويات
لم تنقض جولتان فحسب على انطلاق مرحلة التراهن على لقب البطولة الوطنية المحترفة لكرة القدم حتى انفرط عقد الأمل بمشاهدة سباق خال من الشوائب في الكرة التونسية بعد كلّ الذي جدّ على هامش كلاسيكو النادي الصفاقسي والنجم الساحلي وكان بطله بامتياز منصف خماخم طبعا ان جاز اصطلاحا ولغويا واخلاقيا وصف ما بدر عنه وتسميته بالبطولة..
ما خرج من تصريحات عن الرجل الأول في النادي الصفاقسي ساعات بعد نهاية المباراة وكرّره بعد أيام بمنتهى الثقة يثبت أن ما قيل ليس ارتجالا أو مجرّد تصريح عاجل تم اقتلاعه بتوظيف مفعول الحماسة وارتفاع درجة التشنّج عقب الصفارة النهائية لمحمد سعيد الكردي..بل على العكس فانه خطاب صدر عن الرجل وهو هادىء وفي أفضل حالاته..وهذا طبعا مكمن الاشكال بعد تمسّكه بصحّة ما جاء على لسانه واستعداده لتحمّل تبعاته..
الأن وبعد انقضاء أسبوع على "حادثة النقر" والتي سنستعيرها عن صاحب الملكية الأدبية كمرجع زمني للتقييم ، الأن لا بدّ من الاعتراف بكلّ هدوء ان الممارسات التي أفصح عنها رئيس نادي عاصمة الجنوب ليست أمرا مستحدثا على كواليس كرتنا كما يحاول البعض اقناعنا عبثا بابداء دهشة مفتعلة.. بل هو عين الواقع، غير أن تلك الطريقة الصادمة والمثيرة بخطاب مباشر من خماخم تجنّب خلاله التنميق واصطفاء الكلمات هي من جعلت الكثيرين لا يستسيغون الكلام وان كانوا مقتنعين بصحّته وارتباطه الوثيق بممارسات الخفاء في كرة متعفنة من ألفها الى يائها..
قد يجني خماخم عقوبة الشطب مدى الحياة كما ينتظر جانب كبير من الملاحظين ذلك ويدفعون الى اتخاذ هذه الخطوة، لكن يحقّ التساؤل في خضم حوادث "الغورة" و"النقر" ولعبة الكواليس، هل بامكاننا الاستفسار والانتظار لمعرفة ماذا جهّزنا حتى لا تتكرر ممارسات وجد رئيس النادي الصفاقسي شجاعة -لا يمتلكها غيره- للاعتراف بارتكابه اثما مزدوجا بين الأخلاق والرياضة..وهل ستكفي معاقبته لتجفيف منابع الارهاب الكروي والفساد الرياضي المنتشرين بين ظهرانينا؟؟
ما أتاه خماخم علنا يبدو أمرا مزعجا فعلا غير أنه عرّى الحقائق واخترق حاجز الصمت الذي كان يرهب الكثيرين ولا يلوون بسببه على فعل شيء جراء خوف أو حتى صنصرة ذاتية باتت مؤشراتها ترتفع بعد احكام البعض لقبضتهم على كرة القدم التونسية بشكل حدّ من اشعاعها وقلّص من بريقها ولوّث سمعتها..ولمن يحاجج بغير هذه النظرية فهو مطالب بالعودة الى حصاد الأندية والمنتخبات اقليميا وقاريا حتى يدرك الحقيقة..
ما جرى هذا الأسبوع لا يبتعد شكلا ومضمونا عن تصريحات خطيرة لكريم الهاني رئيس اتحاد سبيطلة حين اعترف بعضلة لسانه منذ سنة أنه تورّط في منظومة فساد وبيع وشراء صلب جامعة الكرة..ومع ذلك بقيت نفس المكونات تقريبا في المكتب الجامعي وسقط الهاني وفريقه كجزاء عاجل الى الرابطة الثالثة..
كلام خماخم على حدّته وخروجه عن الأعراف المعتادة، فانه دقّ الاسفين الأخير في مؤشر شفافية الكرة في تونس وفضح جانبا صغيرا من فساد تغلغل فيها، ولهذا فان المنطق يفرض التمحّص في جوهر الكلام لفتح تحقيق حول رؤوس الفساد والحرص على ألا تقبر هذه الحقائق من قبل الوزارة والجامعة تيمنّا بما جدّ مع عبيد البريكي حين كوفىء بالعزل من المهام جراء شروعه في كشف ملفات الفساد..وهكذا فان كل الارهاصات توحي اننا سائرون الى مزيد التصعيد وانتهاج حروب العصابات في شوارع كرة القدم التونسية التي باتت للأسف ملهما لنيران الفتنة الجهوية..
طارق العصادي